Back
December 9, 2025

مدرسة المنار: عمارة الاكتشاف التي تتجاوز الزمن

تفرض بعض المباني حضورها من خلال ضخامة حجمها أو بهرجة تصميمها.
لكن مدرسة المنار لا تفعل أياً من ذلك.

بدلاً من ذلك، فهي تستدرجك إلى الداخل—بهدوء ولطف، عبر الحواس. فقبل أن تدرك عيناك شكل المكان، تستشعر حواسك ذلك. انحناءات الجدران البيضاء الناعمة، والضوء المحيطي المتسلل من فتحات القباب السماوية، والهدوء المفعم في الأفنية المظللة... كل تفصيل يجعلك تتباطأ بما يكفي لتدرك أن شيئاً استثنائياً يحدث هنا.

صممتها EMKAAN كبيئة تعليمية تشكلت بفضل الطبيعة والضوء و التجربة الحسية أكثر من كونها مجرد نمط مدرسي تقليدي، لتعيد مدرسة المنار صياغة مفهوم العمارة التعليمية. فهذا ليس مبنى يعلم الأطفال ماذا يتعلمون.
بل يعلمهم كيف يشعرون أثناء التعلم.

في مدينة تشتهر بآفاقها المستقبلية، تقدم مدرسة المنار شيئاً نادراً: مكاناً يبدو عريقاً ومستقبلياً في آن واحد، مألوفاً وغامضاً في الوقت ذاته. مكاناً تصبح فيه العمارة معلماً هادئاً.

في هذا الحوار، محمد عبيد (المؤسس وكبير المهندسين المعماريين – EMKAAN) تعكس الفلسفات التي شكلت هوية المدرسة؛ فهي مكان تحتضن فيه الجدران كأنها أذرع واقية، ويصبح فيه ضوء الشمس دليلاً طوال اليوم، ويتحول فيه التصميم إلى مشارك فعّال في رحلة الاكتشاف.

مدرسة المنار — مشهد تعليمي

حوار مع محمد عبيد، المؤسس وكبير المهندسين المعماريين في EMKAAN

براون بوك:

لا أستطيع تصنيف مدرسة المنار ضمن أي فئة جمالية محددة؛ فهي تبدو كبناء من كوكب آخر.

محمد عبيد:

ما وصفته هو بالضبط ما سعيت لتحقيقه في التصميم؛ فأنت لا تعرف ما إذا كان هذا البناء من الماضي أم من المستقبل، لكنه في كلتا الحالتين يبدو مألوفاً. من إيجابيات دبي أنها تمتلك ثقافتها الخاصة، وفي الوقت ذاته تستوعب الثقافات الأخرى وتجذبها. لذا، عند تصميم مدرسة، يجب دمج عناصر من كل ثقافة ليشعر الجميع بالألفة تجاه المكان.

براون بوك:

أرى بعض أوجه التشابه مع أعمال المعماري الإيراني نادر خليلي في ملاجئ أكياس الرمل في إيران. ما هي مصادر إلهامك؟

محمد عبيد:

كانت تقنية البناء التي استخدمها نادر خليلي مصدر إلهام أولي بالفعل، لا سيما نهجه النمطي في البناء بأكياس الرمل. في تصميمي لمدرسة المنار، قمت بتكييف هذا المفهوم وتطويره لتلبية الاحتياجات الفريدة للمشروع. كانت العناصر الأساسية، مثل تحسين حجم النوافذ وعددها ومواقعها داخل هيكل القبة، تعديلات جوهرية. ورغم صعوبة هذه التعديلات، إلا أنها مكنتني من تحسين توجيه ضوء الشمس والإضاءة الطبيعية، مما خلق بيئة يستفيد فيها الطلاب من الضوء الطبيعي، وهو أمر مثالي لتجربتهم التعليمية.

أما بالنسبة للتنظيم العام والمخطط الرئيسي للمدرسة، فقد استلهمت الأفكار من مصادر متنوعة. كان أحد أهم المؤثرات هو أستاذي أشرف بطرس، الذي عرّفني على أعمال البروفيسور عبد الحليم إبراهيم عبد الحليم في حديقة الطفل الثقافية. هذا المشروع، بتصميمه الحلزوني، يمثل النمو والحركة، وهي مفاهيم تلاقت بعمق مع رؤيتي لمدرسة المنار. فالشكل الحلزوني في تصميمي يرمز إلى النمو المستمر ورحلة التعلم الجذابة.

Al-Fanar-School-The-Architecture-of-Discovery-Beyond-Time

براون بوك:

وهل هذا هو السبب في ترتيب مباني الموقع على شكل حلزوني؟

محمد عبيد:

عندما زرت الشرق الأقصى، تعرفت على رمز من الثقافة اليابانية، وهو سمك الكوي، الذي يرمز أيضاً إلى النمو والتطور. ألهمتني هذه الفكرة لرسم الخطوط الأولية للمخطط الرئيسي للمدرسة. ولهذا السبب، إذا نظرت إلى المدرسة من الأعلى، ستبدو أحياناً كسمكة كوي، وأحياناً أخرى توحي بشكل لولبي.

بي بي:

كيف كان موجز العميل؟

محمد عبيد:

تمحور موجز العميل حول خلق بيئة حاضنة ومألوفة للأطفال الصغار. لقد أكدوا على أهمية توفير مساحة تشعرهم بالراحة والألفة، خاصة للأطفال في مراحل نموهم المبكرة. واستلهاماً من هذه الرؤية، قمت بدمج المنحنيات والأشكال العضوية في التصميم المعماري لتعزيز الشعور بالدفء والحماية. تمثل الأشكال المنحنية للمباني رمزياً الرحم، مما يجسد جوهر الرعاية الأمومية ويعزز مكانة المدرسة كبيئة آمنة ومرحبة للنمو والاستكشاف.

بي بي:

كيف تمكنت من ابتكار هياكل ذات مظهر عضوي كهذا؟

محمد عبيد:

في البداية، كان هدفنا بناء المدرسة باستخدام تقنيات أكياس الرمل التقليدية، المشابهة لأساليب البناء بالتربة المدكوكة. قمنا بجمع الرمل وتعبئة الأكياس ورصها لتشكيل الهيكل. ومع ذلك، واجهنا تحديات أثناء عملية الاعتماد، خاصة فيما يتعلق بمتطلبات مقاومة الحريق. ونتيجة لذلك، تحولنا إلى طريقة بناء أسرع ومقبولة على نطاق واسع وتتوافق مع لوائح دبي، وهي الخرسانة.

بي بي:

هل أدى ذلك إلى تغيير التصميم بأي شكل من الأشكال؟

محمد عبيد:

أتاح لنا التحول إلى الخرسانة مرونة لاستكشاف أي هندسة تخيلناها. ومع ذلك، بدلاً من اختيار سقف مسطح، أردت تكريم رحلة التصميم التي بدأناها. إن اختيار دمج شكل الحنية (Apse)، بما يحمله من صدى تاريخي يمتد من العمارة الفرعونية القديمة إلى التصميم الحديث، سمح لنا بالتواصل مع إرث من الأشكال المعمارية.

عند التعامل مع تحديات التصميم في هذا المشروع، كنت غالباً ما أشبه رحلتنا برحلة سمكة الكوي. فمثلها تماماً، واجهنا خياراً بين التغلب على العقبات أو الركون إلى الحلول السهلة. وباختيارنا طريق المثابرة، حولنا كل عقبة إلى فرصة لابتكار شيء استثنائي، بدلاً من الاكتفاء بهيكل أساسي يفتقر إلى الإلهام.

لقد أصبح هذا المشروع أكثر من مجرد مبنى؛ فهو يجسد قيم المرونة والمثابرة والنمو. وبطريقة ما، فإنه يعكس الدروس التي نأمل أن نغرسها في كل طالب، وهي قصة عن الإصرار والقدرة على التكيف والشجاعة لرسم ملامح المستقبل.

Al-Fanar-School-The-Architecture-of-Discovery-Beyond-Time

بي بي:

ما هي التحديات التي واجهتكم لتحويل هذا النوع من المباني إلى واقع ملموس؟

محمد عبيد:

التحدي الوحيد الذي واجهناه كان يتعلق بالسبورة التي يستخدمها المعلمون. لدينا جدار منحني في الداخل، مما جعل من الصعب تثبيت سبورة مستقيمة عليه. لكننا نجحنا في وضع سبورة قائمة بذاتها، وهو ما أدى إلى تحسين ديناميكية الفصل الدراسي.

بي بي:

هل كان ذلك جزءاً من تصميمكم المتعمد؟

محمد عبيد:

أردت أن يتمكن الأطفال من مراقبة الشمس طوال اليوم، لذا كان علينا توفير ضوء طبيعي داخل المكان. قضينا وقتاً طويلاً في دراسة ذلك. الأطفال يتواجدون في المدرسة من الصباح حتى الثانية أو الثالثة ظهراً تقريباً. لو وضعت الفتحات على الجوانب، لما أتيحت لهم فرصة رؤية الضوء وهو يلقي بظلاله على الجدران. ومن خلال وضع النوافذ في أعلى القبة، أصبح بإمكانهم مراقبة حركة ضوء الشمس المذهلة بشكل أفضل. تخيل الشمس وهي تتحرك حول القبة طوال اليوم؛ فهي تلقي بظلالها، والمناطق التي تضرب فيها أشعة الشمس النوافذ تخلق بقعاً ضوئية متحركة على الجدار. وعندما تغرب الشمس في فترة ما بعد الظهر، تتسلق أشعتها الجدار مرة أخرى. أردت أن يشعر الأطفال بحركة الشمس هذه، لربطهم بالطبيعة وبالكون.

بي بي:

تعتبر هذه المدرسة مختلفة عن بقية أعمالك السابقة. كيف كانت هذه التجربة بالنسبة لك؟

محمد عبيد:

كانت تجربة لا تقدر بثمن حقاً. أتيحت لي الفرصة للقاء المعلمين ومدير المدرسة، والأهم من ذلك، الأطفال أنفسهم. استمعت إلى احتياجاتهم. استغرقت الفترة ما بين التصميم وإنجاز المشروع حوالي عام واحد فقط. لذا، فإن الأطفال الذين كانوا في الصف الثالث أصبحوا في الصف الرابع، وكانوا لا يزالون يتذكرون العملية بأكملها. والأكثر روعة كان رد فعلهم بعد دخول المدرسة عقب بنائها. آمل أن أكون قد تركت أثراً إيجابياً في حياتهم.

بي بي:

كيف كانت ردود الفعل؟

محمد عبيد:

بصراحة، كانت ردود الفعل التي تلقيتها منذ بداية العام الدراسي في سبتمبر إيجابية للغاية. لقد تلقيت آراء من المعلمين والأطفال ومدير المدرسة، والحمد لله، الجميع سعداء. يقول الأطفال إنها تبدو كفيلم من أفلام "حرب النجوم"، بينما ذكر الجيران أنها تشبه منازل "الهوبيت". أعتبر كل ذلك إطراءً؛ فهذا بالضبط ما كنت أريده، أن تبدو وكأنها من عالم آخر... خيال علمي...

وفي الوقت نفسه، عندما يقول الأطفال إنها تذكرهم بمنتجع سياحي، أحاول ترجمة هذه المشاعر إلى شيء ملموس. أعتقد أنهم يقصدون أن الانحناءات والإضاءة تمنحهم شعوراً بالسكينة.

كما أن آراء المعلمين كانت إيجابية للغاية، لا سيما فيما يتعلق بإضاءة الفصول الدراسية. فقد تمت موازنة مستويات الضوء الطبيعي بعناية؛ بحيث لا تكون ساطعة لدرجة تشتت الانتباه، ولا خافتة لدرجة تسبب النعاس للطلاب. يدعم هذا التصميم المدروس للإضاءة بيئة تعليمية مريحة وتفاعلية، مما يساعد الطلاب على البقاء في حالة تركيز ونشاط طوال اليوم.

بي بي:

بالعودة إلى سؤالي الأصلي، كيف تصف طراز هذا المبنى؟

محمد عبيد:

لا يمكنني تصنيفه كطراز ينتمي للماضي أو المستقبل أو العصر الحديث أو غير ذلك، لكنني متأكد من أنه نتاج التفكير في الإنسان. هناك العديد من المهندسين المعماريين المشهورين الذين قادوا اتجاهات معمارية، مثل زها حديد، حيث يمكنك التعرف على أسلوبها على الفور. أما نهجي في العمارة فيركز على الناس، وأطبق الفلسفة نفسها على جميع مشاريعي. الأمر يتعلق بالتفكير في الناس أولاً، وفي سعادتهم وبهجتهم.

Al-Fanar-School-The-Architecture-of-Discovery-Beyond-Time

مدرسة المنار: حيث تصبح العمارة تجربة

مدرسة المنار هي أكثر من مجرد مؤسسة أكاديمية؛ إنها مشهد تعليمي حي ينبض بالحياة حيث يشكل الضوء والشكل والطبيعة التجارب اليومية للأطفال. ومن خلال رؤية محمد عبيد، أصبحت المدرسة مكاناً يتجاوز الزمن، متجذراً في التقاليد ومتألقاً بحس مستقبلي.

يكشف هذا الحوار أكثر من مجرد آليات معمارية.

إنه يكشف عن فلسفة تجسدت على أرض الواقع:

عالم حيث يصيغ الضوءُ الفضولَ، وحيث يعلّم الظلُّ الحركةَ، وحيث يصبح المكان نفسه معلماً لطيفاً.

تعد مدرسة المنار تجسيداً حياً لما يمكن تحقيقه عندما يتم تصميم العمارة ليس فقط من أجل الناس، بل لتلائم حواسهم ومشاعرهم وعالمهم الداخلي.

FAQs

كيف يمكن للتصميم الداخلي أن يلامس المشاعر ويحقق صدى عاطفياً؟
يتحقق الرنين العاطفي من خلال مراعاة جوانب مثل إيقاع الضوء الطبيعي، والخامات الملموسة كالخشب والحجر، والمقاييس البشرية، والذكريات الحسية، والمساحات التي تعزز العلاقات الاجتماعية، بعيداً عن السعي وراء الكمال البصري.
ما هو التصميم الحسي في التصميم الداخلي؟
نهج يتمحور حول الإنسان، يشرك جميع الحواس لخلق مساحات داخلية ذات معنى وترابط عاطفي.
ما هي التجربة اللمسية في الهندسة المعمارية الحسية؟
إن التفاعل المادي مع الخامات والملمس هو ما يؤثر على الشعور بالراحة والوعي والاستجابات العاطفية تجاه أي مساحة.
ما هي القيمة الحقيقية لتصميم تجارب تخاطب المشاعر في حياتنا اليومية؟
تساهم المساحات التي تلامس المشاعر في تعزيز جودة الحياة من خلال دعم العلاقات، وبث الإلهام، وتوفير الراحة، وخلق ذكريات إيجابية مستدامة تضفي مزيداً من السعادة والرضا على تفاصيل يومك.
Back to Top